صديق الحسيني القنوجي البخاري

217

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً أي فرشها وبسطها لكم تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم ، ولم يجعلها مسنمة لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً أي طرقا واسعة ، وقال ابن عباس طرقا مختلفة ، والفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع ، كذا قال الفراء وغيره ، وقيل هو المسلك بين الجبلين ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الأنبياء وفي سورة الحج مستوفى ، وفي الأنبياء تقديم الفجاج فقال فجاجا سبلا لتناسب الفواصل هنا . قالَ نُوحٌ بعد يأسه من إيمانهم رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي أي كلهم استمروا على عصياني ولم يجيبوا دعوتي ، شكاهم إلى اللّه عز وجل وأخبره بأنهم عصوه ولم يتبعوه وهو أعلم بذلك وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً أي أتبع الأصاغر رؤساءهم وأهل الثروة منهم الذين لم تزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا وطغيانا وكفرا في الدنيا ، وعقوبة في الآخرة ، واستمروا على اتباعهم لا أنهم أحدثوا الاتباع ، قرىء ولده بفتح الواو واللام ، وبضم الواو وسكون اللام ، هما سبعيتان وبفتح الأول وسكون الثاني ، وهي لغة في الولد ، ويجوز أن يكون جمعا وقد تقدم تحقيقه . [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 22 إلى 28 ] وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ( 23 ) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً ( 24 ) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ( 25 ) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 ) وَمَكَرُوا أي الرؤساء مَكْراً كُبَّاراً قرأ الجمهور بالتشديد أي كبيرا عظيما جدا ، يقال كبير وكبار وكبار مثل عجيب وعجاب وعجاب ، وحميل وحمال وحمال ، قال المبرد : كبارا بالتشديد للمبالغة ومثل كبار قراء لكثير القراءة ، وقرىء بالضم والتخفيف وهو بناء مبالغة أيضا دون الأول ، وقرىء بكسر الكاف وتخفيف الباء ، قال أبو بكر : هو جمع كبير كأنه جعل مكرا مكان ذنوب أو أفاعيل فلذلك وصفه بالجمع ، وقال عيسى بن عمر هي لغة يمانية ، قيل جمع الضمير حملا على معنى من بعد حمله على لفظها في قوله مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ [ نوح : 21 ] قاله السمين . واختلف في مكرهم هذا ما هو فقيل هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح وأذاه وصد الناس عن الإيمان به والميل إليه ، والاستماع منه ، وقيل هو تغريرهم على الناس بما أوتوا من المال والولد حتى قلل الضعفة لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم ، وقال الكلبي : هو ما جعلوه للّه من الصاحبة والولد ، وقال مقاتل : هو قول كبرائهم لأتباعهم لا